الأحد، 6 سبتمبر 2026

هل كان السلف يتنازعون فيما بينهم كما هو حال أدعياء السلفية اليوم ؟

 الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:


سألني الكثير من عوام أهل السنة من الأهل والأصدقاء، الذين لم تتلوث فطرتهم:


•لم هذا التناحر بين بعض السلفيين؟

•إن كان مذهب أهل السنة والجماعة الاجتماع لا الفرقة، فلمَ هذه الفُرقة التي نراها في ساحات التواصل؟

•هل كان السلف يرد بعضهم على بعض، ويهاجم بعضهم بعضًا، ويحذر بعضهم من بعض بهذا الكم والكيف الذي نراه اليوم من بعض المعاصرين؟

•كيف نعرف المخطئ من المصيب؟

•هل يجب على المسلم معرفة حقيقة هذه الخلافات؟


وهذه أسئلة مستحقة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، وينبغي أن يجاب عنها بكل صدق ووضوح، بعيدًا عن أي مجاملات ومحسوبيات وإرضاء فلان وعلان.


فدين الله فوق كل أحد، فوق أئمة المسلمين وشيوخ الإسلام جميعًا، فضلًا عن المعاصرين الذين هم أقل منهم منزلة في العلم والعمل والديانة والتقوى.


وأقول جوابًا على الأسئلة المذكورة آنفًا:


[ الخلاف سنة كونية … ولكن ]


1-أن الخلاف بين أهل العلم في المسائل الشرعية كان موجودا من قديم، وكلٌ راد ومردود عليه الا رسول الله.


ولكن "شتّان بين مُشرّق ومُغربِ" ، فقد كان الخلاف في المسائل الفقهية أو الأصولية أو الحديثية وبعض المسائل العقدية التي لا يُضلل صاحبها.


وقد يكون الدافع سوء الفهم أو النقل أو الاجتهاد، كما حصل بين الإمامين البخاري والذهلي في "التلفظ" و "الملفوظ" في القرآن الكريم.


وقد يكون لحسد الأقران. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ما خلى جسد من حسد؛ ولكن الكريم يخفيه، واللئيم يبديه)، وهذا وإن كان يقع أحيانًا، إلا أنّ السلف كانوا يخمدون تلك الخلافات بالعلم والحكمة.


قال غيرُ واحدٍ من السلف: (خذوا العلم عن العلماء، واتركوا كلام بعضهم في بعض، فإنهم يتغايرون فيما بينهم تغاير التيوس في الزريبة).


2-كان أئمة الإسلام يتكلمون بعلمٍ وعدل وإنصاف، خلافًا لأدعياء السلفية وأنصاف المتعلمين، الذين ينطلقون من حظوظ النفس والحسد والجهل والتحزب للأشخاص.


3-الذين كانوا يتكلمون في هذه الأمور هم أهل علمٍ وطلابه، ولم يكن أهلُ العلم يفسحون مجالًا للعامة والجهلة للخوض في هذه الخلافات، بل كان عوام المسلمين يعرفون قدرهم، وقدر العلماء؛ أما اليوم مع وجود المنصاتُ الإلكترونية صار لكل ساقطٍ ولاقطٍ منبرٌ يقول فيه ما شاء، فيمن شاء، متى شاء، كيف شاء.


[ صوفية بعباءة سلفية ]


والأدهى والأمَرّ: أن مشايخ "أدعياء السلفية" يشجعون مريديهم من العوام، وحدثاء السنان، وحديثوا الاستقامة، وصغار الطلبة على الطعن والنيل من المشايخ وطلبة العلم، بل ويربونهم على التحزب والتعصب لهم، ويعلمونهم بطريقة غير مباشرة: أن الدفاع عنهم دين وقُربة.


وهذا عين الانحراف عن السلفية ومنهج أهل السنة والجماعة .. فهذه صوفية بعباءة سلفية !!


قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من نصّب شخصًا كائنًا من كان، فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل، فهو من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا).


[ أهل السنة يجمعون، وأدعياء السلفية يفرقون الأمة لأجل الزعامة ]


4-عقيدة أهل السنة والجماعة -كانت ولازالت- عقيدة تجمع ولا تفرق، وكل من فرّق الجماعة فهو من أهل البدعة والفرقة.


وكل من فرق المسلمين، وتربص بمشايخ اهل السنة ودعاتها فهو على طريقة الخوارج وواقع في بدعة الغلو في الأسماء والأحكام.


5-أن أهل السنة أرحم الخلق بالخلق، قال شيخ الإسلام: (وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة، ويطيعون الله ورسوله، فيتبعون الحق، ويرحمون الخلق).


أما أدعياء السلفية.. فهم أغلظ وأفَظّ وأظلم وأعنف الخلق بالخلق! ولا داعي لضرب الأمثال على القوم، فهي أشرق من شمس الضحى، والتمثيل لها كمن يشعل شمعة في النهار، ويكفي من فساد القوم: أنهم لا يقبلون تراجعَ مخطئٍ إلا إن خضع لهم، وأعلن الولاء والطاعة لمشايخهم، وأقرّ على نفسه بالانحراف قبل التوبة!


6-لا مانع -كما ذكرنا- من الرد على المخطئ من اهل السنة، فإنّا لا نقول بغلق باب الرد مطلقا، لكنا لا نرفض بالإسراف والغلو والمبالغة في الرد على المخالف السني وإقصائه، ومعاملته معاملة المبتدع أو الكافر.


[ توظيف أدعياء السلفية أخلاقهم السيئة في الردود والخصومات ]


7-قد عُرف بعض ادعياء السلفية بسوء الخُلق قبل ان يُطلِقوا لحاهم وتبتلى السلفية بهم، فلما رأوا شدة مشايخ السنة على أهل البدع، وجدوا بغيتهم في الرد على مخالفيهم، وأنّ باب الردود وسيلة لتفريغ ما في قلوبهم المشحونة، وألسنتهم البذيئة، فترى تَفَنُّنَهم في السب والطعن واللعن والقذف.

كل هذا باسم (نصرة الدين والسلفية)!


ولذلك ترى المهازل والشخصنة وانعدام الموضوعية واتهام الناس بالباطل في (بلطجتهم الهرائية) التي يسمونها (ردودًا علمية).


[ الموقف الصحيح من أدعياء السلفية ]


8-والموقف الصحيح من هؤلاء بيان انحرافهم عن منهج السلف وكبار العلماء المعاصرين، والبراءة من أفعالهم، لأنهم أساءوا -أيما إساءة- لاسم السلفية، بل أساءوا لدين الإسلام ودعاته، وعلمائه، حتى صاروا محل سخرية عند الصوفية والأشعرية والرافضة والعلمانية والملاحدة.


[ أدعياء السلفية ليسوا على نهج العلماء في الفتن، بل لا يلتفتون إلى نصائحهم ]


9-سلوا أنفسكم:

هل كان السلف ومن بعدهم

أو شيخ الإسلام ابن تيمية وتلامذته

أو علماء الدعوة النجدية

أو الشيخ محمد بن إبراهيم او السعدي أو ابن باز أو العثيمين أو اللحيدان أو الفوزان أو عبدالمحسن العباد … 

يُصَفّون السلفيين، ويتربصون الأخطاء، ويترقبون الزلات، ويُخرجون بين حين وآخر شيخا أو داعية سلفيا من دائرة السنة على مسائل اجتهادية او خلافات شخصية؟


هل عُرف عن هؤلاء النيل من أعراض مخالفيهم كما يفعل أدعياء السلفية اليوم؟


ومن علامات انحراف هؤلاء أنهم يقدسون مشايخهم، وقد يكون من بينهم داعية يكاد لا يبقى عالمٌ من كبار العلماء إلا طعن في عقيدته وأسقطه، ومع ذلك يقدمون جرحه وتعديله على الشيخ الفوزان والعبّاد ! ويضحكون على مريديهم ويقولون (نحن على طريقة العلماء، لكن الشيخ فلان أعرف بأحوال الرجال من "مشايخ الرياض") !!


ولا ينكر هذا إلا كاذب أو جاهل بالأمر أو مريد إمعة..


[ أدعياء السلفية على نهج الإخوان في التنظيم السري والعمل الجماعي ]


إن ادعياء السلفية مهما تمسحوا بالعلماء الكبار فهم على خلاف طريقتهم في باب التبديع والتحذير وتصنيف الناس، ولا يقيمون لنصائحهم بالكف عن تبديع أهل السنة وزْنًا، وهم فيما بينهم على طريق جماعة الإخوان المسلمين حذو النعل بالنعل (نجتمع فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه).


ولهم مجالس خاصة، ومجموعات منظمة في (الواتساب) يديرها شيوخ الضلال، يسوسون مريديهم ويأمرونهم بالكتابة في المواضيع التي تخدم مصالحهم الشخصية .. الحزبية.


10-إن الجهل بالفتن التي يثيرها هؤلاء خير، ولا ينبغي للعامي وطالب العلم المبتدئ الدخول فيها، ولا متابعتها، لأنها مضيعة للوقت، ومقسّية للقلب، وتلوّث السمع والبصر.


فإن كانت دقائق العلم النافع غير واجبٍ طلبُها على العامة، فالاطلاع على الردود ومعرفة أسبابها والدخول في الخلافات أولى بالترك.


[ العلاج … ]


وعلاج هذه النابتة الخبيثة البراءة من نهجها، والتحذير من مسلكها، وإظهار انحرافها من كلام العلماء الكبار الذين يتمسحون بهم.


والابتعاد عن شيوخها، والتحذير من أخطائهم، فضررهم على الأمة الإسلامية اكثر من نفعهم.


[ أدعياء السلفية يمزق بعضهم بعضا ! ]


إن أدعياء السلفية لا يحفظون الود، ولا يصونون العِشرة فيما بينهم عندما ينقلب بعضهم على بعض ويتقاطعون ويتنافرون، فبمجرد أن يشعر أحدهم أن صاحبه قد انحرف (بمقاييسه العقلية الفلسفية)، أو تجرأ على تخطئةِ شيخه المعصوم أو أحد أفراد حزبه= ينسى الود والمحبة والصلة والفضل الذي بينه وبين صاحبه وإن كان يعرفه من الصغر.


بل تراه يعاديه معادة الكافر المرتد، فيبغضه مطلقا، ويعامله معاملة الجهمي الملحد، وربما تراه يتودد إلى النصراني ولا يتودد إلى أخيه المسلم، وهذا خلاف طريقة الصحابة، الذين قال الله عنهم: (أشداء على الكفار رحماء بينهم).


وسبحان الله .. هم يفضحون أنفسهم بأنفسهم عندما يختلفون، ويكشفون أسرار بعضهم، والعارف بحالهم يجد أنهم في كل عام يزدادون تفرّقًا وتمزقًا واختلافا:

فترى الشيخ يبدع تلميذه

أو التليمذ يبدع شيخه

أو الشيخ يحذر من صاحبه ورفيق دربه الشيخ الآخر !

أو الطلاب يحذر بعضهم من بعض ويبدع بعضهم بعضًا

وكل واحد منهم ينسف جهود صاحبه.


والناظر .. يرى أنها "تصفية حسابات شخصية"، وعبث بمنهج السلف، وتشويه لاسم السنة وحملة العلم، ولا دخل للاسلام والسلفية بها، وأنها أشبه "بكيد النساء".


وحاشى أن نقيس الخلافات التي كانت بين السلف بما وصل إليه حال الأدعياء الذين لا يعرفون من المروءة والرجولة إلا اسمها.


[ كيف نعرف المخطئ من المصيب؟ ]


إن كانت الردود في المسائل الشرعية الاجتهادية، فالأمر فيها واسع، فيأخذ فيها طالب العلم بما يراه موافقا للدليل وما أداه إليه اجتهاده، حتى وإن كان قائله ذلك الغالي، فيقبل الحق منه؛ وهذا عين الإنصاف، وصدق الديانة.


أما الخلافات التي من النوع الذي ذكرته في المقال (قيل وقال) وتصنيفات جائرة، فالجواب:

قال الامام ابن عبدالبر: (والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته، وثبتت في العلم أمانته، وبانت ثقته وعنايته بالعلم، لم يُلتفت فيه إلى قول أحد، إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة).


والله الموفق