الأربعاء، 11 يوليو 2018

من العلامة عبدالرزاق عفيفي إلى السلفيين .. رفقأ أهل السنة بأهل السنة !


الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

 

فقد كنت أبحث منذ سنوات عديدة .. عن رسالة (خاصة) بين العلامتين عبدالعزيز ابن باز وعبدالرزاق عفيفي -رحمهما الله- يسأل الأول فيها عن حال الشيخ مصطفى درويش ابن أخ علامة الصعيد أبي الوفاء محمد درويش -رحمهما لله-، فوفقني الله أن عثرت عليها عند أحد أهل العلم الأفاضل -جزاه الله خيرا-.

 

ويعود سبب اهتمامي بهذه الرسالة، لما في محتواها من دروس منهجية، وتربية سلفية، (ندر) وجود أثرها على الساحة الدعوية -فإلى الله المشتكى-.

 

وحكاية هذه الرسالة .. أن بعض أهل العلم الأفاضل في جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر، قد أصابتهم لوثة العقلانيين، وهذه اللوثة نتيجة ترسبات تعلَّقت في شيخهم الكبير السيد محمد رشيد رضا -رحمه الله-، تناقلها (بعض) طلابه، وللأسف .. أنهم تابعوا شيخهم فيها -غفر الله له ولهم وتجاوز عنهم .. آمين-، منهم الشيخ أبي الوفاء محمد درويش -رحمه الله-، وتأثر به ابن أخيه مصطفى درويش.

 

ولما كانت جماعة أنصار السنة المحمدية ذات ثقل، وصرح شامخ من صروح السنة، ودعاتها من أبرز عساكر الإسلام وجنوده البواسل، عنى أهل العلم في السعودية بشأنهم، وكانت بينهم صلة ومودة وثيقة عميقة، فلما وصلت بعض الأخبار للشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله-، كتب إلى الشيخ عبدالرزاق عفيفي وهو عضو في الجماعة- يستفصل منه عن عقيدة الشيخ مصطفى درويش، فكتب إليه الشيخ عبدالرزاق عفيفي :

بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والإرشاد      الموقر

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فبناء على كتاب سماحتك في 21-10-1403 هـ، الذي تطلب فيه الإفادة عما إذا كان الشيخ مصطفى درويش لايزال على عقيدته في إنكار السنة النبوية، كما ذكر عنه ذلك الأستاذ رشاد الشافعي [1]  ، بناءً على ذلك، قرأتُ خمس رسائل من مؤلفاته.

(1)رسالة بعنوان (السقطات التشريعية في تعديل قانون الأحوال الشخصية، وهي مفيدة في بابها، وإن كان فيها تساهل في التعبير.

(2)ورسالة بعنوان (القرآن والنصرانية).

(3)ورسالة بعنوان (الخرافات المقدسة أقلام الشياطين في أسفار الإسرائيليين).

كلتاهما مفيدة في الرد على زعم "شنوده" والقسس وغيرهم من المبشرين بالنصرانية، والدعاة إليها وتناقض الأناجيل، وفي رسالة الخرافات المقدسة كلمات لاذعة، واستهزاء بالأناجيل المحرفة، وسخرية من عقول من يؤمن بما فيها من خرافات في العقائد والأحكام وبمن يبرر عقيدة التثليث، ويضرب الأمثال لجعل الثلاثة واحداً والواحد ثلاثة.

(4)والرسالة الرابعة بعنوان (محمد الرسول في التوراة والإنجيل) وقد أجاد كثيراً في هذه الرسالة، واستدل فيها على رسالة خاتم النبيين بنصوصٍ من التوراة والإنجيل، وبنصوص من القرآن والأحاديث، ويظهر مِن كتابه اعتبار السنة أصلاً ثانيا في الإسلام، لأن للمسلمين من التمسك به [2] ، انظر صـ(9-5 1 - 30-46 - 48-52 - 55-56 62-75-76) ففي هذه الصفحات الاحتجاج بالأحاديث.

وإن طريق الحق لايزال مفتوحاً أمامنا لا ينتظر إلا الأيدي الأمينة التي لا تعرف إلا الإخلاص لله وكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم-، وأن التمسك بها عماد سعادتهم.

والذي يظهر لي أن بعض إخواننا أنصار السنة المحمدية ينكر بعض الأحاديث لشبهةٍ تمكَّنت من نفسه، أو قلّد فيها بعضَ من سبقهُ (كحديث الذباب) و (فقئ موسى عين ملك الموت) وحديث (سحر النبي صلى الله عليه وسلم) ونحو ذلك، لا لأنه ينكر كل الأحاديث !

وهؤلاء يجدي معهم إن شاء الله- المناقشة الهادئة، والجدال بالتي هي أحسن، نسأل الله أن يحفظنا من الزيغ ويهدينا سواء السبيل.

(5) أما الرسالة الخامسة فهي بعنوان (نداء إلى الفاتيكان راجعوا أسفاركم المقدسة) .. وهذه مفيدة أيضاً في بابها، إلا أن فيها حديثاً عن دوران الأرض، والاستدلال عليه بالقرآن، وانفصال الأرض ونحوها عن الشمس، والاستدلال على ذلك بالقرآن أيضا صـ9-10، وفي ذلك ونحوه مافيه بالإضافة إلى التساهل في التعبير، وضعف بعض التراكيب.

والله الموفق ، وصلى  الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

كتبه: عبدالرزاق عفيفي

نائب رئيس اللجنة الدائمة للبحوث والافتاء.

 

قلت:
وهذه إضافة على مقال شيخنا الوالد عبدالمحسن العباد -حفظه الله- لمقاله وكتابه الموسومين بـ: (رفقاً أهل السنة بأهل السنة)
وإليكم الدروس المستفادة:
 
1-أهمية التثبت من الأخبار المنقولة عن دعاة السنة، والاستقصاء من صحتها.
فالشيخ رشاد الشافعي مع جلالة قدره وعظيم منزلته، كان قد تسرع في الحكم على الشيخ مصطفى حين صنفه ضمن منكري السنة، وقد بين الشيخ عبدالرزاق عفيفي بطلان ذلك.[3]
 
2-الإنصاف في النقد.
وهذا ما نكاد نفقده حقيقةً عند الكثير من المتصدرين، والمتخفين وراء أجهزة الحاسوب من مجاهيل المنتديات، فإذا ما زل شيخ أو طالب علم في كتاب أو مقال أو سبق لسانه في محاضرة أو درس، فرح بذلك أولئك المرضى النفسيين! فحُذّر منه ومن انتاجه العلمي كله؛ فالواجب ذكر ما له وما عليه .. بلا إفراط أو تفريط.
 
3-ليس كل من وقع في بدعةٍ، وقعت البدعة عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة, ولم يعلموا أنه بدعة, إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة, وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها, وإما لرأي رأوه, وفي المسألة نصوص لم تبلغهم). [4]
إلا أن تكون بدعته بدعة ظاهرة، قال شيخ الإسلام: (والبدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء: ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج والروافض، والقدرية، والمرجئة) [5]، وهذه من الأمور المقررة في عقيدة أهل السنة والجماعة، تُقرأ بالكتب، وتقال في الألسنة، وتُنشر في توِتر وغيره على أنها #درر ! فإذا ما وُجدت في سلفيٍ، نَصبت المنتدياتُ له المجانيق، وأخذ كلٌ سهمه ليرميه، وكأنهم يتربصون زلته ! ويتحرون عثرته ! مع أنه بالأمس (ناصر السنة) و (الجبل الأشمّ) فيخرج المسكين من (دائرتهم) بلا عودة، إلا أن يتوب ... لا إلى الله ! بل عند طائفة معينة من المشايخ، فإن لم يأتِ بـ (صك التوبة) .. هُجر، وربما أُلحق بأهل البدع .. هو ومن يعذره.
 
4-الالتزام بالآداب الشرعية والضوابط العلمية في مقام النقد والرد على المخالف، لاسيما إن كان سنياً، فذاك أدعى لقبول الحق، وما جنى السب والشتم .. ولا جلبت السفالة إلا النفرة والافتراق ! 
 
5-التماس العذر للمخطئ، والرفق واللين بالمسيء، لاسيما مع السني المخالف، بل لاسيما في هذه الحروب العقدية التي يشنها أهل الإلحاد وأهل البدع من كل حدبٍ وصوب على أهل التوحيد والسنة في هذه السنوات الأخيرة.
 
والله المستعان
 
كتبه/ أبو عمر عبدالله الهزاع


===================================================================

[1]   الشيخ محمد عبدالمجيد الشافعي، والمعروف برشاد الشافعي، هو أحد علماء أنصار السنة المحمدية، من تلامذة الشيخ محمد حامد الفقي مؤسس الجماعة.
[2] كذا قرأته في الرسالة الأصلية.
[3] ومن عجيب تحري الشيخ عبدالرزاق عفيفي، أنه (بعد) وصول خطاب الشيخ ابن باز، راح ينظر في مؤلفات الشيخ مصطفى درويش العقدية كلها، واستدل منها.
[4] مجموع الفتاوى (19- 191).
[5] مجموع الفتاوي (35- 414).
 

الأحد، 22 أبريل 2018

تعقيب الشيخ أحمد فهمي على الشيخ حماد الأنصاري –رحمهما الله- حول تحريم زيارة القبور على النساء


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فقد نشرت مجلة التوحيد في عدد شهرَيْ جمادى الأولى والآخرة 1395هـ مقالا بعنوان "كشف الستر عما ورد في السفر إلىى القبر" (1) لفضيلة الشيخ حماد بن محمد الأنصاري، المدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

وقد وردت في هذا المقال كلمة عن زيارة النساء للقبور، حيث قال فضيلته:

(إن زيارة القبر كان منهيا عنها أول الإسلام، لقُرب الناس آنذاك من عبادة الأصنام، ثم نُسخ ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام- : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة"، وأبيحت الزيارة للرجال دون النساء، وبقيت في حق النساء محرمة إلى يوم القيامة لحديث ابن عباس رضي الله عنهما- عند أبي داود والترمذي وغيرهما: "لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زائرات القبور" الحديث.

وإذا وقفنا قليلاً  عند موضوع زيارة النساء للقبور، لوجدنا هناك أحاديث صحيحة، احتج بها من أباحوا زيارة المقابر.

1- عن عائشة رضي الله عنها قالت: (لما كانت ليلتي التي كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيها عندي ، انقلب فوضع رداءَه ، وخلع نعلَيه ، فوضعهما عند رجلَيه ، وبسط طرفَ إزارِه على فراشِه ، فاضطجع . فلم يلبثْ إلا ريثما ظنَّ أن قد رقدتُ فأخذ رداءَه رويدًا ، وانتعل رُويدًا ، وفتح البابَ فخرج . ثم أجافَه (2) رويدًا . فجعلتُ دِرعي في رأسي ، واختمرتُ ، وتقنَّعتُ إزاري . ثم انطلقت على إثرِه . حتى جاء البقيعَ فقام . فأطال القيامَ . ثم رفع يدَيه ثلاثَ مراتٍ . ثم انحرف فانحرفتُ . فأسرع فأسرعتُ . فهرول فهرولتُ . فأحضَر فأحضرتُ (3) فسبقتُه فدخلتُ . فليس إلا أن اضطجعتُ فدخل . فقال " ما لك ؟ يا عائشُ ! حَشْيا (4) رابيةٍ ! (5) " قالت : قلتُ : لا شيء . قال " لَتُخبِريني أو ليُخبرنِّي اللطيفُ الخبيرُ " قالت : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ! بأبي أنت وأمي ! فأخبرتُه . قال " فأنتِ السوادُ الذي رأيتُ أمامي ؟ " قلتُ : نعم . فلهَدني (6) في صدري لهدةً أوجعَتْني . ثم قال " أظَنَنْتِ أن يحيفَ اللهُ عليكِ ورسولُه ؟ " قالت : مهما يكتمِ الناسُ يعلمْه اللهُ . نعم (7) قال " فإنَّ جبريلَ أتاني حين رأيتِ . فناداني . فأخفاه منك . فأجبتُه . فأخفيتُه منك (8) ولم يكن يدخل عليكِ وقد وضعتِ ثيابَك . وظننتُ أن قد رَقدتِ . فكرهتُ أن أُوقظَكِ . وخشيتُ أن تستَوْحِشي . فقال : إنَّ ربَّك يأمرُك أن تأتيَ أهلَ البقيعِ فتستغفرَ لهم " . قالت : قلتُ : كيف أقول لهم ؟ يا رسولَ اللهِ ! قال " قولي : السلامُ على أهلِ الدِّيارِ من المؤمنين والمسلمين ويرحم اللهُ المستقدمين منا والمُستأخِرين . وإنا ، إن شاء اللهُ ، بكم لَلاحقونَ) "رواه مسلم وأحمد وأصحاب السنن".

2- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة عند قبرٍ تبكي على صبي لها، فقال لها: اتق الله، واصبري. فقالت: وما تبالي بمصيبتي، فلما ذهب قيل لها: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذها مثل الموت، فأتت بابه، فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك ! فقال: إنما الصبر عند أول صدمة، أو قال، عند أول الصدمة) "رواه البخاري ومسلم اللفظ لمسلم".

3- عن عبدالله بن أبي مليكة أن عائشة رضي الله عنها أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: من أين أقبلتِ يا أم المؤمنين؟ قالت: من عند قبر أخي عبدالرحمن، فقلت لها: أليس كان نهى رسوا لله صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور؟ قالت: نعم نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها) "رواه الترمذي والحاكم والبيهقي وقال الذهبي: صحيح".

ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث الثلاثة كما يلي:

الحديث الأول: لما سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا تقول إذا زارت القبور، وجه لها الحديث بقوله: (قولي) ولم يقل (قولوا) ليقال أن الخطاب هنا للرجال بالإضافة إلى أنه لو كانت الزيارة محرمة على النساء لبيَّنَ لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التحريم عند إجابته عليها، ولمَا علَّمها ما تقول عند زيارة القبور.

الحديث الثاني: عندما مر الرسول صلى الله عليه وسلم على القبر، ووجد المرأة تبكي، امرها بالصبر فقط، ولم ينكر عليها مجيئها إلى القبر، ثم لما أتت إليه في بيته لتقدم اعتذارها، حدَّثها عن الصبر مرة اخرى، ولم يحدثها عن زيارتها للقبر، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرى امرأةً تأتي محرما ثم لا يلفت نظرها (9).

الحديث الثالث: علمَت السيدة عائشة رضي الله عنها أن نسخ النهي عن زيارة القبور عام للرجال والنساء، وإلا لما قامت بزيارة قبر أخيها عبدالرحمن، وهي التي تعلم أنّ اللعن هو الطرد من رحمة الله، فلو تعلم أن إباحة الزيارة للرجال والنساء لما خرجت إلى المقابر.

وبعد أن عرضتُ وجوه الاستدلال من هذه الأحاديث الثلاثة، فإننا نرى أنه إذا كانت الحكمة من زيارة القبور هي التذكرة بالآخرة، فإن النساء في حاجة إلى هذه التذكرة كما يحتاجها الرجال، وليس معنى هذا القول أننا نوافق على ما تفعله النساء الآن عند المقابر مما هو أقرب إلى الوثنية والكفر، وانتهاك لشريعة الله.

فإن المقابر على هذا النحو الجاهلي ليست محرمة على الرجال كذلك، لأن سد ذرائع الفساد مقدم على جلب المنافع، فلا بد أن تكون الزيارة وفق ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان الزائر رجلاً أو امرأة.

وفقنا الله للأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ولي التوفيق.

مجلة التوحيد / عدد شعبان ورمضان لعام 1395هـ/ صـ37-39.

 

(1) (*) وهو منشور ضمن (مجموعة العقيدة للشيخ حماد الأنصاري: صـ153-166 ،طبعة مكتبة الفرقان).

(2) أجافه: أعلقه.

(3) فأحضر فأحضرت: فجرى فجريت.

(4) حشيا: من الحشا وهو الربو، وتهيّج النفس الذي يعرض للمُسرع في مشيه.

(5) رابية: مرتفعة البطن.

(6) لهدني: ضربني مجمع كفه.

(7)تصدق على قولها هي.

(8) الإخفاء هنا: الإسرار بالنداء وبالإجابة.

(9) (*) وهذه مسألة أصولية: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

ملحوظة: ما أشرت إليه بعلامة (*) من تعليقي، والباقي للشيخ أحمد فهمي رحمه الله-.

الجمعة، 13 أبريل 2018

الحرية الحقّة .. والحرية المطلقة (للشيخ الأديب/ سعد صادق محمد -رحمه الله-)


بسم الله الرحمن الرحيم
 
يفهم بعض الناس إن لم يكن أكثرهم- أنّ الحرية هي إباحيةٌ وفوضى، وانطلاق عالَمٌ همجي لا يعرف كيف يستعمل الحريةَ لفظاً ولا معنى، فيضعها في غير موضعها الحقيقي الذي ينبغي أن توضع فيه، ويخرج بها عن المعنى المقصود الذي يجب أن يعرفه كل إنسان، ومن ذلك خرج الفرد منهم إلى الحياة، وهو لا يعرف ما عليه من واجبات وما له من حقوق، فضاع واجبه نحو الناس، فلم يرعَ حقوقهم، ولم يحافظ عليها حتى تصل إلى أصحابها كاملةً غير منقوصة، وضاعت أيضاً- حقوقه التي ينبغي أن يُحسن استعمالها حت لا تثير تائرةَ أحدٍ، ولا تنشط فيه ناحية الغضبل إذا استعملها في الإساءة إلى غيره.
ترَكَ الإنسانُ شهواتَه تعبث بالحقوق، وتستبد أهواؤه بالواجبات حتى رسخ في ذهن أنّ الحرية هي أمور سافرة طائشة، فأصبح يأتي مِن الأقوال والأفعال ما يؤلم الغير ويقلق راحته ويسلب أمنه وطمأنينته.
والناس حين ينظرون إلى الحرية لا ينظرون إليها من نافذة الحق والعدل، بل ولا ينظرون إليها من ناحيةٍ ينبغي لكل فرد راجح العقل، سليم الفهم، بعيد النظر، أن ينظر إلى الحرية منها، بل ينظرون إليها من نافذة الغرور والفوضى والحمق والأنانية.
ينظرون إلى الحرية نظرةً سقيمة مجردة، تجعلهم يتصرفون في شؤونهم في غير حكمة ولا تعقل، ويندفعون في تأدية أعمالهم في طيشٍ وغفلة وجهل، فيقعون في المتاعب والمشاكل.
ولقد جرّ علينا أعداءً الإسلام كثيراً من الشرور والأخطار، وجاءوا لنا بما أسموه (مدنية، وحضارة، وتقدُّماً) وكانت الحرية على الصورة التي يفهمها ويعرفها الناس اليوم هي ضمن صادرات أعداء الإسلام من المدنية والحضارة.\
نعم، جاء لنا أعداء الإسلام بالحرية الكاذبة، فألبسوها أثواباً برّاقة، وأظهروها في لباسٍ لامع أخّاذ، وقدموها لنا في هذا الإطار الفَتِن الجميل، فاستغلّ الشيطانً في الناسِ حب الفعل التقليدي، والرغبة في إشباع الشهوات وتلبية النزوات، وإراضاء الأهواء، فعرف كيف يجعلها راسخة في الأذهان، متمكنة في القلوب، متشبعة بها النفوس، حتى أصبحت أنشودة أفئدتهم، بل وأصبح لا يحلو لهم العيش إلا في ظلها، ولا التمتع إلا في رحابها.
فإذا تحدث شخصٌ بشيء يمس المجموعة بالسوء، ويبلبل الأفكار، ويزعزع العقائد، ويلحق بالأفهام الضرر، إذا تحدث شخص بهذا دون أن يتقيد بأصول أو قانون أو يتمسك بأدبٍ أو حياء، ثم جئت لتناقشه وتحاسبه، عَلَت الأصوات ! وارتفعت الحناجر ! وسالت الدموع منهمرة ! وجرت الأقلام بالدفاع الحار عن الحرية المسلوبة المظلومة .. تنادي بكفاتها وتطالب بإباحة الكلام والتعبير عن الرأي والاعتقاد، واعتبر المدافعون أنّ الحساب والمناقشة قسوة وجفوة، وأمراً يتعارض مع معاني الحرية، وينافي مقتضياتها ويجافي منطوقها.
وترى شخصاً يتصرف في أموره تصرّفا أرعَناً، ويخرج فيه على كل مستساغ ومعقول، لا يهمه أحد، ولا يبالي بحقوق الغير، ما دام هو في (حرية) وما دام قد وجد في ظلها على ما يعتقد- مرتعاً لتصرفاته، وفي أرضها حياةً لحماقته، فإن شعر غيرًه بما يؤلمه ويغضبه لاذَ بكلمةِ الحرية، واعتصم بها في جهل وغفله، وجعل منها مانعاً بينه وبين كل شيء.
يتّسم بسمات الحق والعدل، فإذا عاتبه .. اعتبر هذا اعتداءً على شخصيته، وحَدّاً من حريته، وقال لك في تكبُّرٍ: إنه حُر .. ، فإنّهذا يروقه ويتّفِق مع مزاجه، وليس لأحد أن يعترض عليه لأن الحرية (المطلقة) قد منحته هذا الحق.
ولقد أباحت الحرية (المطلقة) للمرأة أن تسفر وأن تتبرج، فجاء لها الشيطان بالحرية من خلال الأصباغ ومِن بين الموديلات الحديثة، ومِن ناحية مقتضيات الحضارة والتطور، ليقضي على ما حماها به الدين من العفة والفضيلة، وما أحاطها به من الكرامة والسمو، فجعلها تبيح لحمها لشهوةِ كل جائع في الطريق، ليهتك عرضها، وتكشف عن عورتها لكل نفسٍ مريضةٍ محمومةٍ لينهش فيها، وقد يكون أمام زوجها أو ولدها فيتأبّط ذراعها. مزهوّاً فخوراً راضياً عنها.
لأن ذلك من مستلزمات الحرية، ومن مقتضيات الحضارة، فإنْ وجهتَ إليها النصح بدافع الإشفاق والتألّم، نظرت إليك في احتقارٍ واشمئزاز، وعدَّت ذلك إهانةً للحرية، بل جموداً ورجعية من قومٍ يريدون أن يَرجعوا بالدنيا، وأن يعودوا بالعالم القهقرى مئات السنين.
اعتبرت ذلك جهلاً بالحياة وعدم معرفة لسُنّة التطور فيها من قومٍ يريدون أن يعودوا بالناس إلى عهد الحجاب، وزمن القيود والأغلال، فياللعجب والدهشة من هؤلاء القوم!
لقد تقدم الناس ونهض العالم، وغدا في حضارةٍ ومدينةٍ وعصر جديد متحرر، ولكن يأتي هؤلاء القوم جامدين أمام كل تطورٍ ومنكرين لشرائعه.
ولقد أباحت الحرية للذين تلقّنوا تعاليم أعداء الإسلام أن يقلدوهم في عمىً وضلال، فما يكون من نصيبهم إلا كل ما يميت الضمير،ويقضي على الوازع الديني فيهم، وما يكون من حظهم إلا كل ما يحطم الأخلاق ويقضي على المعاني السامية والقيم الكريمة فيهم، بل وما يكون لهم من شيء إلا كل ما يعود عليهم بالشر والخيبة والخسران، فلا يشعرون بنتائج طيبة لعمل، ولا يجدون بين أيديهم أيّ أثرٍ محمودَ السعي، فيخرجون من هذا التقليد الأعمى بما يزيد الشر والشقاء في حياتهم، ويجعلها جحيما لا يطاق.
هذا شأن الحرية المطلقة وآثارها، وهذا شأن من يجرّون وراء الحرية التحللة، وشأن من يعيشون في ظل الحرية الإباحة، تلك الحرية التي لا تعرف العدل، أو أي معنى طيب جليل.
أما الحرية الحقة، أما الحرية العادلة، أما الحرية القيمة:
فهي التي تنبع من الدين الإسلامي الذي منح الحرية للناس ليسعدوا لا ليشقّوا، هي الحرية التي تبعثها الروح، وتفوح من الفضيلة.
الحرية هي..
أخلاق فاضلة وخصال حميدة يتحلى بها الإنسان، ونفس أبيَّة، تكره الظلم والعدوان لصاحبها، معاني جمّة من الأدب والذوق السليم، والتربية الصحيحة، ترتفع بصاحبها عن مواطن الغدر والأذى والتمرد.
هي قطرات من الحكمة وفيض من المُثُل العليا، والشعور النبيل بحقوق الغير واحترام إحساسه أنها استعمال للحقوق استعمالاً مشروعا لائقاً لا يضر بأحد ولا يحرج شعوره ولا يعكِّر عليه صفوه. فليس الإنسان حراً في نفسه بأن يفعل ما يشاء، ويعتقد كيفما يحلو له مادام هذا يتعارض مع حقوق الآخرين ويظهره بمظهر المسيء المعتدي.
الحرية هي .. أداء للواجب بدافع الضمر الحي والتفكير في الغير قبل التفكير في النفس.
هي العمل الذي يؤدي إلى الحب والإخاء والمودة بين الناس والتفاني في سبيل سعادة المجتمع الصالح.
وهي سياجٌ منيع، يحمي المرأة من كل ما يهدد كرامتها، ويذهب بعفتها، وينتشلها من تسفل الإثم والجحود والتمرد إلى حيث ربوة الكرامة والسمو والفضيلة، هي وقاية لكل شخص من العدوان على أخيه والظلم لنفسه.
الحرية هي معاني وحية تهبط من السماء لتسعد الناس فتسموا بأخلاقهم وترفع شأنهم وتصلح حالهم وتنشر فيهم العدل والخير وتهديهم إلى السبيل القويم.
يجب علينا أن نفهم الحرية على أنها نسمات من التعاون والإخلاص ونفحات من المعاني الجميلة الجليلة التي تدعم الوحدة بين الناس.
يجب علينا أن نفهم الحرية على أنها سبيل إلى الطاعة والرضا والقناعة ومحرك للبر والعطف والتراحم في الناس.
نعم. يجب أن نفهم الحرية على أنها نصرة للمظلوم وحماية للضعيف وردع للقوي الظالم الباطش والقضاء على الاستبداد والتحكم، لو فهمنا الحرية الحقة، فهما صحيحا، واستعملناها استعمالاً مشروعاً مقبولا لوجدنا أنفسنا بين أحضانها، وفي رحابها نستنشق ريحها الطيب ونتنسَّم عبيرها الرحيق.
ولكن ذلك لن يكون إلا إذا رجعنا إلى دين الله وعدنا إلى حظيرته وعملنا بشرائعه وأحكامه، نغترف منها ما يحقق لنا الحرية الحقة، ونأخذ منها ما نصلح به حالنا ويضمن لنا حضارة وتقدماً وتطوراً حقيقياً ورفاهية، وحياة آمنة مطمئنة.
 
*مجلة الهدي النبوي / المجلد 19 لعام 1376هـ/صـ50-53*

الخميس، 1 مارس 2018

فتح مكة أولى بالاحتفال إن كنتم صادقين


الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فقد وقفت على كلمات لبعض الدكاترة في العلوم الشرعية في برامج التواصل الاجتماعية (توِتَر والتلغرام) يجيزون فيها الاحتفال بالأعياد الوطنية، بلا بيّنة شرعية ولا براهين عقلية.

شبهتهم: أن اليوم الوطني، يومٌ يُحتفل فيه بعودة الأمن والأمان للبلاد بعد الغزو الغاشم، ولا يكون هذا الاحتفال بانتهاك حرمات الله كالغناء والرقص وإيذاء الناس، ولا يسلموا بتسميته (عيدا).

والجواب:-
 

أولاً: ما دليلكم على جواز الاحتفال بيوم سنوي مخصوص، بإظهار معالم الفرح والنصر مِن الكتاب والسنة وعدم تسميته عيدا؟

الجواب: لا دليل عندهم، بل مقتضى الدليل الشرعي على تحريم إحداث الأعياد، فعن  أنس رضي الله عنه قال: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: (مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ).

وقال صلى الله عليه وسلم للصدّيق: (يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا)

فدلّ على أنّ الأعياد في الإسلام عيدان سنويان.

فإن قال قائل: هذه أعياد دينية، فما المانع من الأعياد الدنيوية؟

قلنا: أنّ النبي منع الأعياد كلها، بدليل أنهم أجابوه (كنا نلعب فيهما في الجاهلية).

ثم لو فَهِم الصحابةُ ذلك، لاحتفلوا بـ (غزوة بدر) و  (غزوة أحد) و (غزوة الخندق) الخ وجعلوها في كل عام -كعيدٍ دنيوي- ... بل لاحتفلوا -من باب أولى- بـ (عيد فتح مكة) وتحريرها من الأصنام والأوثان التي عُبدت من دون الله، في حرم الله، حول الكعبة المشرفة بيت الله وأقدس بقاع الأرض لعدة قرون !

وقد أنزل الله في ذلك النصر (سورة النصر)، فلم يحتفل رسول الله ولا صحابته ولا أحد من علماء الملة، بل حتى المجزيون للاحتفال بالأعياد الوطنية.

أوليس الاحتفال بفتح مكة أَولى بالاحتفال بفهمكم؟!

 

ثانياً: مَن سبقكم بهذه الفُتية مِن علماء أهل السنة والجماعة؟

الجواب: لا أعرف أحداً من أهل العلم –فيما وقفت عليه حتى الساعة- أجاز الاحتفال باليوم الوطني، فأصحاب الفضيلة:

العلامة/ محمد بن إبراهيم آل الشيخ

والعلامة/ عبدالرزاق عفيفي

والعلامة/ عبدالعزيز ابن باز

والعلامة/ محمد العثيمين

والعلامة/ صالح الفوزان

والعلامة/ صالح اللحيدان

قالوا بالمنع والتحريم.

استدل البعض بكلمة منشورة لسماحة المفتي (عبدالعزيز آل الشيخ) قال فيها عن اليوم الوطني السعودي: (الواجب أن يتحول هذا اليوم إلى يوم شكر لله وتفكر بنعمه، وأن يحرصوا على شكر الله على نعمة الأمن والأمان) على جواز الاحتفال باليوم الوطني!

ولا أدري أين وجدوا جواز الاحتفال في هذا التوجيه والنصيحة ؟!

 كما احتج بعضهم بكلام لشيخنا حمد العثمان -حفظه الله- عبر حسابه في (توِتَر) أظهر فيه الفرح في اليوم الوطني، وقد راجعتُ فضيلته في المسألة؛ وتراجع.

ثالثاً: بالنسبة إلى تسمية (العيد الوطني) بـ (اليوم الوطني) وعدم تسليمهم بتسميته عيداً، فهو أمر مخالف لغة وعرفا، ودليل ضعف حجة هؤلاء، وأن الحميّة الوطنية قد غلبتهم، حتى غشت أبصارهم، وحجبت عقولهم عن التفكير:-

ففي اللغة: قال ابن منظور (الْعِيدُ:هو كلُّ يومٍ فيه جَمْعٌ ، واشتقاقه من: عاد يعود، كأنهم عادوا إليه، وقيل: اشتقاقه من: العادة، لأنهم اعتادوه، والجمع أعياد. ويقال: عَيَّدَ المسلمون: شهدوا عِيدهم. قال ابنُ الأعرابيّ: سُمي العيدُ عيداً لأنه يعود كل سنة بفرح مُجدد) [لسان العرب 3/319].

واليوم الوطني عيدٌ سنوي، يجتمع فيه الناس، ويحتفلون فيه، فالوصف فيه متحقق.

فعجبا كيف غاب عن هؤلاء هذا الأمر، وهم يقرأون حديث رسول الله (ليشربنَّ أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها) .. أعيذهم بالله أن يكونوا من المدلِّسين.
 
رابعاً: ومن أوجه تحريم الاحتفال بالعيد الوطني أنه مأخوذ من غير المسلمين، وقد نُهينا عن التشبه بهم قال عليه الصلاة والسلام: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!).
 

في الختام:

أنصح نفسي وإخواني طلاب العلم بلزوم هدي العلماء، والتمسك بفتواهم، وعدم التقدم عليهم، فهي أمارة جهل صاحبها أو ضلاله، وقد رددت قبل مدة غير بعيدة على بعض طلبة العلم في أحد الدول المسلمة، في مسألة الاحتفال بيوم الشهيد، وهذه أمارة على أنّ التهاون في الكلام في دين الله قد تفشى، والتساهل في الافتاء قد زاد.  
https://bomaralhazza.blogspot.com/2017/12/blog-post.html

فعجبي من سلفي يخالف صريح النصوص، ويخالف أئمة العصر في حكم الاحتفال بيوم ابتدعه أهل الكفر والإلحاد، ويشكك في حكمه !

 كما أنصحهم بتقوى الله في عامة المسلمين، فقد كثرت الفتاوى الشاذة من "المُتمشيخين" في الفضائيات، حتى صار الكثير من المسلمين لا يثقون في أهل العلم، فألحَقوا الصالح بالطالح، وجعلوا يستنبطون الأحكام الشرعية من فهمهم .. هُم، فوقعوا في شرَك الشيطان واتخذوا إلههم هواهم !

فإياكم أن تفقِدوا الناسَ الثقة بكم لفتاوى واهية .. وشذوذات سخيفة.

وقد رأيت بعض العوام يسألون بعض الدكاترة المجيزين للاحتفال باليوم الوطني عن الدليل الشرعي، فلم يجيبوهم، وكان الأولى بهم ثم أولى إجابتهم، امتثالا لأمره تعالى: ((قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)).

والله المستعان

 

كتبه أبو عمر عبدالله بن محمود الهزاع

الجمعة، 2 فبراير 2018

فضل علماء الدعوة المصرية على علماء الدعوة النجدية -المعاصرين-


الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، اما بعد:

فقد سألني بعض الأحبة عن الفروق التي وقفت عليها من خلال مطالعتي لكتب ومقالات وسير علماء الدعوة المصرية "جماعة أنصار السنة المحمدية" ، وعلاقتها بعلماء الدعوة النجدية، من خلال اطلاعي البسيط.

وقبل الجواب .. يحسن أن أنبه القراء الكرام على عدة أمور:-

أولاً: كل علماء الدعوة السلفية -شرقا وغربا- أهل خير وفضل .. نحبهم في الله، ونذب عن أمواتهم قبل أحيائهم، وندعو لهم بالخير، ونعتقد أن عالم بين مصيب وواقع في الخطأ لا محالة، والتمسنا له المعذرة، ودعونا له بالمغفرة، ورجونا الله أن تكون أخطاؤه مغمورة في بحور حسناته، وكل له فضل على الآخر.

ثانيا: مطالعتي لتراث علماء الجماعة .. ودراستي لكتب المدرسة النجدية.. لا يسوغ لي أن أقارن بين الدعوتين من حيث الأفضلية، إذ كيف لمن في الثرى أن يقيِّم نجوم الثريا ؟

ثالثاً: كثير من الناس يحسب الدعوة السلفية محصورة في السعودية، وأن ليس في الإسلام مرجعية غير علمائها، فأحببت بهذا المقال نقض هذا الزعم من خلال عرض نخبة من علماء مصر السلفيين..

رابعاً: ليس المقال من اجل بيان الأفضلية، بل لبيان الفضل، ولاشك .. أن أهل العلم متفاضلون من حيث الأفراد.

والآن أشرع في المراد ...

اعلموا -حفظكم الله- أن علماء أنصار السنة المحمدية لا يقلون قدراً عن علماء الدعوة النجدية المعاصرين، علماً وفقها، وحكمة ورسوخا. وصلابة في التأصيل، وقوة في التقعيد، ونشاطاً في الدعوة إلى السنة والتوحيد.

ولكن -وللأسف الشديد- أن كثيرا منهم لم ينالوا الشهرة التي يستحقونها -بحق!-، فجهودهم في الرد على الملاحدة كثيرة، وسهامهم على أهل التغريب كالأمطار الغزيرة، تجدها مبثوثةً في صحائف التفسير والحديث والاعتقاد والفقه بل والأدب وركن الأخبار في مجلة الجماعة وكتبهم في الفنون الشرعية.

وكذا جهادهم القبوريين عباد الأضرحة والأموات، والصم الذين لا يسمعون الأصوات، ومُعطِّلة صفات خالق الأرض والسماوات.

فهم أهل مناظرات، وقد آتى الله علماء أنصار السنة المحمدية قوة في الجدل، إذ بقروا علم الكلام وأصول الفلسفة والمنطق وضبطوها -على متكلمي الأزهر- ، فلما آتاهم الله نور البصيرة -وأعني هنا من كانوا على البدعة قبل اعتناقهم السنة-، وتسلحوا بالتوحيد والسنة، واستعانوا بما أوتوا من علوم الآلة، والبلاغة والفصاحة، وتزودوا بعتاد التوحيد وسِنان السنة المحمدية، غاروا على قلاع أهل التغريب والتعطيل وعباد الأضرحة.

فهزّوا عروشهم، ومزقوا طواغيتهم، ودكوا حصونهم ، وأسقطوها على أم رؤوسهم، وبددوا جمعهم في معاقلهم، وليس فيما ذكرتُ مبالغة يا أحبة
فقد ناظر كبار علماء الجماعة طواغيت الصوفية.

فمن ذلك :
الشيخ عبدالرحمن الوكيل -رحمه الله- رئيس الجماعة الثاني
:
رد على شيخ الطرق الصوفية الأكبر، وبهته أمام النائب العام المصري، لما اشتكى الأخير أمر الشيخ للدولة، بزعمه أن الشيخ يسب الصوفية ويتعدى على الأولياء ويصفهم بما ليس فيهم؛ فدخل عل الشيخ على النائب العام وبصحبته كتب الصوفية! فكانت المناظرة .. فبهته الشيخ أمام النائب العام، وخرج بعد براءته .. مرفوع الرأس شامخاً، وكان يوم نصر عظيم لأهل التوحيد والسنة، كيف لا .. وقد توعدنا الله ((إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)) !؟

وقد ناظر الشيخ محمد جميل غازي -وكيل الجماعة السابق- عضو مجلس البرلمان، وشيخ الطريقة البرهامية الأكبر في طنطا، أمام ضريح طاغوت البدوي ! في يوم مولد البدوي ! وختم المجلس بسؤالٍ طرحَ نفسه:
(لماذا هذه الأقفال على صندوق الأضرحة التي على قبر البدوي؟ ألا يستطيع البدوي أن يحفظ الصندوق وهو الذي يجيب الناس في مشارق الأرض ومغاربها في قريبها وبعيدها؟)
فخرج من عندهم .. والذل يجر وجوه الصوفية أمام وجهاء طنطا ومسؤوليها وعامة الناس ... ((وهم صاغرون))

وللشيخ حامد الفقي و عبدالظاهر أبو السمح و عبدالحليم حموده و محمد رشاد الشافعي و حسن كرار و محمد خليل هراس صولات وجولات كثيرة مع الصوفية والأشاعرة، ليس هذا مقام بسطها.

اعلموا -وفقكم الله لكل خير- أن كبار علماء بلاد التوحيد في هذا العصر، قد تتلمذوا على علماء الدعوة المصرية، وإليكم ما وقفت عليه:

1- الشيخ عبدالرزاق عفيفي 
[الرجل الثاني في أنصار السنة المحمدية]

تتلمذ عليه كبار علماء الدعوة النجدية :-
الشيخ عبدالعزيز ابن باز [ذكره د.حمد الشتيوي في الإبريزية في التسعين البازية]
الشيخ محمد العثيمين
شيخنا الوالد عبدالمحسن العباد
الشيخ عبدالعزيز ال الشيخ (المفتي)
الشيخ صالح الفوزان
الشيخ صالح اللحيدان
الشيخ صالح الغديان
الشيخ عبدالله البسام
الشيخ عبدالله القعود
الشيخ صالح الأطرم
الشيخ راشد بن خنين
الشيخ عبدالرحمن العجلان
الشيخ عطيه محمد سالم
الشيخ ناصر الشثري (والد الشيخ سعد)
الشيخ علي آل سنان المدني
الشيخ محمد السبيل
الشيخ عبدالله ابن جبرين
الشيخ صالح السدلان
الشيخ ابن منيع
الشيخ صال ال الشيخ
الشيخ عبدالرحمن السديس


2- الشيخ حامد الفقي [مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية]

تتلمذ عليه محدث المدينة الشيخ حماد الأنصاري
الشيخ عبدالله الخياط

3- الشيخ محمد خليل هراس.
تتلمذ عليه
الشيخ محمد أمام الجامي
الشيخ علي ناصر فقيهي
الشيخ عطيه محمد سالم
الشيخ أحمد عطيه الغامدي المدني

4- الشيخ محمد عبدالرزاق حمزة:

الشيخ حماد الأنصاري
الشيخ يحيى عثمام المدرس المكي
الشيخ عطيه محمد سالم
الشيخ عبدالله الخياط (وهو صهره زوج ابنته)
الشيخ إسماعيل الأنصاري
الشيخ حمد الجاسر 
الشيخ يوسف الدخيل
الشيخ محمد بن سليمان البسام
الشيخ علي بن محمد الهندي المدني

5- الشيخ محمد عبدالوهاب البنا
تتلمذ عليه الشيخ ربيع المدخلي

6- الشيخ عبدالمهيمن أبو السمح:
تتلمذ عليه الشيخ يحيى عثمان المدرس
وكان الشيخ عبدالظاهر ابو السمح (اخوه) قد وكله إمامة الحرم مدة.

7-الشيخ عبدالظاهر ابو السمح:
تتلمذ عليه الشيخ عبدالله بن حميد (قرأ عليه القرآن)
الشيخ محمد البسام 
الشيخ علي بن محمد الهندي
الشيخ عبدالله الخياط

8- أديب السنة محمود محمد شاكر:
الشيخ صالح ال الشيخ.
تنبيه: الشيخ محمود ليس عضواً في الجماعة، إلا أنه عالم من علماء الدعوة المصرية.

9- الشيخ محمد صادق عرنوس:
تتلمذ عليه الشيخ عطيه محمد سالم


هذا ما استطعت أن أجمعه وأحصيه، وصلى الله على نبيل محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


كتبه أبو عمر عبدالله الهزاع