الأربعاء، 22 سبتمبر 2021

النساء في القرآن الكريم .. للشيخ محمود شلتوت

كثر كلام الناس قديماً وحديثاً حول منزلة النساء في الإسلام، فمنهم من زعم جهلاً أو تجاهلاً أن الإسلام اهتضم حقوقهن، وانتقص مكانتهن، وأخذ يغري المرأة بالثورة على الإسلام بحسب ما صور لهم من تعاليم نسبها إليه وأقنعها بأنها السبيل الذي رسمه لها، والواقع أن الإسلام منح النساء كل خير وصانهن عن كل شر، ولم يأب عليهن سوى ما دفعتهن إليه هذه المدنية الكاذبة من (حرية) جعلت الغربية من النساء إذا ما خلت إلى ضميرها الإنساني تبكي دماً على الكرامة المفقودة، والعرض المبتذل، والسعادة الضائعة.


وسيعلم النساء متى ثبْنَ إلى رشدهن أن لا منفذ لهن، ولا حافظ لكرامتهن وحقوقهن سوى هذه التعاليم الإلهية التي يحاول المغرضون والمخادعون لهن أن يصوروها في أعينهن بصورة الأغلال التي تطوق الأعناق وتحول بينهن وبين ما لهن من حق في الحياة.

وأرجو أن أقدم للنساء عامة وللمسلمات خاصة تحت هذا العنوان، وعلى صفحات الرسالة الغراء، خطوط هذه الجولات الواسعة التي رسمها القرآن الكريم في سبيل الإرشاد إلى حقوقهن، وبيان أحكامهن ومنزلتهن في حياة الأسر التي تعتبر بحق اللبنات الأولى في بناء الأمم، والتي تخلع على الأمة مالها من كيان قوي أو ضعيف.

والقرآن هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي، والحكم الأعلى الذي يحكم على غيره ولا يحكم الغير عليه.

قرأت القرآن وتتبعت أبرز مواقفه في جانب النساء، فوجدته خير ما يصور للناس عناية الإسلام بالنساء، وحظوتهن في تشريعه، وليس بعد كلام الله كلام، ولا بعد تشريعه تشريع.

عرض القرآن للنساء في أكثر من عشر سور، وكلها من المدني الذي كان شأنه وقت التنزيل فرض الحقوق، وبيان الواجبات، وتنظيم الشئون، والإرشاد إلى ما ينبغي من شئون الأسر، وشئون الأمم.

عرض لهن في سورة البقرة في رُبعَين عظيمين هما (يسألونك عن الخمر والميسر)، (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة).

بيّنَ فيها حكم تزوج المسلمة للمشرك الذي لا يؤمن بكتاب ولا رسول، وأبطل بعض المعاملات الضارة التي كان يعتاد أهل الجاهلية مع النساء، وبين الطلاق الذي يملك الرجل فيه رجعة الزوجة والذي لا يملك به الرجعة، كما بين أن لها الحق في افتداء نفسها من سوء العشرة بما تملك من مال، وبيّن مساواتها للرجل فيما لها وعليها من الحقوق الزوجية، كما أمر بإمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان، وحذر القوم من عضل النساء ومنعهن أن يتزوجن بمن يردن طمعاً في مالهن وضراراً لهن، ثم بيّن أن المرأة شريكة الرجل في شأن الولد وإرضاعه، وأنه لا يصح للرجل أن يبتّ في هذا الشأن برأي دون (تراض منهما وتشاور) ويبين في هذا السياق الخطبة وأدبها كما بين حق المطلقات في المتعة، وهي ما يبذله الرجل للمرأة بعد طلاقها مما تتعزى به ويخفف عنها وقع الفراق، (وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين).

وبيّن عدة المتوفي عنها زوجها، وحث الأزواج على الإيصاء لهن بعد الوفاة بأكثر مما تستحق إحداهن بالعدة.

وعرض لهن في سورة المائدة، وبيّن حل تزوج المحصنات الكتابيات منهن، وسوى في ذلك بينهن وبين المحصنات المؤمنات.

وعرض لهن في سورة النور، وبيّن ما يردعهن عن ارتكاب ما يزري بالكرامة ويخل بالشرف والمكانة، كما بين حكم من تعدى عليهن بالقذف زوجاً كان أو غير زوج، وشرع الأدب الواجب حين الدخول عليهن في بيوتهن، وذلك حفظاً لهن من أن تقع عليهن الأنظار، وهن في حالة التبذل والقيام بالمصالح المنزلية.

كما خص هؤلاء الذين نضبت وجوههم من ماء الحياة بشديد من التحذير مما اعتادوا في إكراه الفتيات على البغاء تكسباً بعرضهن (لا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا).

وعرض لهن في سورة الأحزاب وعالج كثيراً من المشاكل المنزلية وما يجب عليهن من آداب، وقد اتخذت السورة زوجات الرسول مثالاً حياً فيما ينبغي أن تتخذه الزوجة أساساً لحياتها المنزلية الفاضلة.

وعرض لهن في سورة المجادلة فاستمع إلى رأي المرأة واحترمه، وقرره مبدأ يسير عليه التشريع العام الخالد، وبذلك كانت آيات الظهار التي بدأت بها السورة المذكورة أثراً من آثار الفكر النسائي، وصفحة إلهية خالدة نلمح فيها على ممر الدهر صورة احترام الإسلام للمرأة وأن الإسلام ليس كما يظن أعداؤها يراها مخلوقاً يقاد بفكر الرجل ورأيه، وإنما له رأيها وللرأي قيمته ووزنه. 

يقول أوس بن الصامت لزوجه خولة بنت ثعلبة (أنت عليّ كظهر أمي) وكان المعروف في الجاهلية أن الرجل إذا قالها لزوجته حرمت عليه.

 ثم دعاها فأبت وقالت: والذي نفس خولة بيده لا تصل إليّ وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله. 

ثم أتت رسول الله فقالت: يا رسول الله! أن أوساً تزوجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما خلا سني ونثرت بطني جعلني كأمه وتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله فحدثني بها، فقال عليه السلام: ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن، وما أراك إلا قد حرمت عليه، فأخذت تجادل رسول الله مراراً وتقول: أنه ما ذكر طلاقاً فكيف أحرم عليه؟ إن لي منه صبية صغاراً إن ضمهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء تقول: اللهم أني أشكو إليك. وما برحت هكذا حتى نزلت الآيات (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما أن الله سميع بصير). نزلت الآيات تشنع على المظاهرين من نسائهم، وتضع طريقاً للخلاص من الظهار، وتبين أنه ليس طلاقاً ولا موجباً للفرقة، كما كانت ترى خولة بنت ثعلبة.

وهذا أسمى ما تصبو إليه النساء في احترام رأيهن متى صادف الحق والمصلحة، وليعتبر بهذا المرجفون المعتدون.

وعرض لهن في سورة الممتحنة وبين حكم النساء يهاجرن مؤمنات من بلاد الأعداء إلى بلاد الإسلام، وحكم حلهن لأزواجهن السابقين، وحكم زواجهن بالمؤمنين، وبينت حق النساء في المبايعة على السمع والطاعة، والقيام بحدود الشريعة وأحكامها، وأنهن في المبايعة كالرجال.

 وقد روى المفسرون قصة هذه المبايعة التي شغلت مركز الرياسة فيها عن النساء (هند بنت عتبة، زوج أبي سفيان، وهي قصة طريفة تعلوها ظاهرة عظيمة من حرية الرأي في النقاش والحوار، حرية لا يظفر بها الرجال عند أعظم ملوك الأرض ديمقراطية.

وعرض لهن في سورة التحريم في شأنٍ جرى بين زوجات الرسول ﷺ، ويقع بين كل الزوجات في كل زمان ومكان، وفيها تقررت مسئولية المرأة عن نفسها مسئولية مستقلة عن مسئولية الرجل، وأنه لا يؤثر عليها وهي صالحة فساد الرجل وطغيانه، ولا ينفعها وهي طالحة صلاح الرجل وتقواه (وضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين)، (وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين).

وعرض القرآن الكريم بعد هذا للنساء في سورتين: سورة النساء وسورة الطلاق؛ وكثيراً ما يطلق على الأولى اسم (سورة النساء الكبرى) ويطلق على الثانية (سورة النساء الصغرى).

وكم تنبض قلوب النساء فرحاً بتكريم الله لهن وعنايته بهن حينما يسمعن أو يعلمن أن في القرآن سورتين سميتا باسمهن، وعالجتا كثيراً من شئونهن في أطوار حياتهن كلها من عهد الطفولة إلى عهد الزوجية والأمومة، وأن إحدى السورتين وهي الكبرى تبدأ بخطاب الناس جميعاً، وأن الأخرى وهي الصغرى تبدأ بخطاب الرسول، وفي هذا وذاك حث شديد للحاكم والمحكوم، أو الرئيس والمرءوس على مراعاة ما يفرض بعد الخطاب في أمر النساء من أحكام وإرشادات.

 ولا ريب أن منزلة النساء من العاطفة ومركزهن الاجتماعي في الأمة جديران أن تستأثرن في أمرهن عاطفة الرحمة التي يحملها وصف النبوة (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) ووشيجة الرحم التي تجمع بين الناس ذكوراً وإناثاً (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام).

وهذا وضع يجدر بالذين يرمون الإسلام بأنه يحطُّ من قدر النساء أن يلتفتوا إليه وأن يكفوا عن زعمهم أن الإسلام لم يمنح المرأة من العناية والاهتمام ما منحته لها المدنية.

هذا وقد عرضت سورة (الطلاق) لبيان الوقت الذي يجب على الرجل مراعاة إذا أراد أن يطلق زوجته اتقاء للإضرار بها، كما عرضت لبيان أنواع عدة المطلقة وما يجب فيها من النفقة والسكنى.

أما سورة النساء الكبرى فقد عرضت لمبادئ هي أساس سعادة المرأة وهناءتها، وبالتالي أساس السعادة الزوجية والحياة المنزلية ونستطيع أن نجملها فيما يلي:

1 - أعلنت سورة النساء أن المرأة أحد العنصرين اللذين تكاثر منهما الإنسان، وجعلت ذلك نعمة توجب على الناس تقوى الله ومراقبته (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام من إن الله كان عليكم رقيبا).

2 - وقررت مساواة النساء بالرجال فيما هو من خصائص الإنسانية فشرعت الكسب للنساء كالرجال، وأرشدت كُلًّا منهما إلى تحري الفضل والخير من الأموال بالعمل دون التمني والتشهي، وأنه ليس للرجل أن يسلب المرأة من العمل الذي خلقت له، كما أنه ليس للنساء أن يطمعن فيما وراء مؤهلاتهن الطبيعية وفي ذلك يقول الله: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن).

3 - وقررت أن للنساء ثواب أعمالهن الصالحة كالرجال وفي ذلك يقول الله تعالى (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا).

4 - ورفعت شأن المرأة عن أن تكون متاعاً يورث كما تورث الأموال، وفرضت لها حرية في ذاتها وأموالها (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن).

5 - وشرعت نظاماً للزواج فيه تكريم للمرأة والأسرة، فحظوت التزوج بأصناف حفظاً لروابط لا ينبغي أن تعرض بالزواج إلى الفساد: حظرت زواج الابن من زوجة الأب، وزواج الأب من حليلة الابن، وزواج الأمهات والبنات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت والمرضعات والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء والربائب، وحظرت لجمع بين الأختين، وزواج المتزوجات والمعتدات، وذلك كله في قوله تعالى (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) إلى قوله (والمحصنات من النساء).

6 - وأشارت إلى تخير الزوجات من وسط الحرائر المؤمنات وأنه لا يجوز العدول إلى غيرهن إلا عند العجز عنهن وخوف العنت، وذلك شأن له قيمته في إنجاب الولد، واختيار البيئة الصالحة لتربيته، وضمان التوافق والسعادة في الحياة الزوجية، وذلك في قوله تعالى (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات).

ومن هنا أخذ الفقهاء أن الشريفة مقدمة في الزواج على غير الشريفة، وأن حسنة السمعة مقدمة على سيئة السمعة، وفي هذا إيحاء قوي إلى النساء بأن يعملن جهدهن على تحسين سمعتهن وتحليهن بالأخلاق الفاضلة التي ترغب فيهن الأزواج.

ولعل ما اتخذته الفتاة لنفسها من حرية واسعة في هذه الأيام كان له نصيب كبير فيما نرى من أزمة الزواج، فعلى الفتاة أن تتدبر في أمرها، وعليها وحدها أن تحل تلك الأزمة إن أرادت لنفسها الخير والسعادة.

7 - وأفرغت السورة على عقد الزواج صبغة كريمة أخرجته عن أن يكون عقد تمليك كعقد البيع والإجارة، أو نوعاً من الاسترقاق والأَسر كما كانت المرأة قبل الإسلام عند العرب وغيرهم، وسمته (ميثاقاً غليظاً) ولهذا التعبير قيمته في الإيحاء بمعاني الحفظ والرحمة والمودة، فالزواج في نظر القرآن عهد شريف وميثاق غليظ ترتبط به القلوب وتختلط به المصالح، ويندمج به كل من الطرفين في صاحبه فيتحد شعورهما، وتلتقي رغباتهما، وآمالهما، هو علاقة دونها علاقة الصداقة والقرابة، وعلاقة الأبوة والبنوة (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن).

8 - وأوجب على الرجل أن يبذل للزوجة مالاً سماه الله (صدقة) ووصفه بأنه نِحلة -والنحلة ما يمنح عن طيب نفس بدون مقابلة عوض- ولا ريب أن الصلة بين الزوجين أعلى وأشرف من أن يجعل عوضها دراهم معدودة، فليس المهر ثمناً ولا في مقابلة شيء في المرأة كما يظن كثير من الناس، وإنما هو آية من آيات المحبة والتقدير وأنه لذلك كان واجباً على الرجل، وإن اتفق الزوجان على أن لا مهر للزوجة (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاًُ). وقد كان المهر بذلك حقاً للزوجة لا يحل أن يأخذ الزوج منه شيئاً إلا بطيب نفسها.

بذلك تقرر لها حق الملكية الصحيحة الخالصة من رقابة الزوج وهيمنته، ومن درجة منحها الإسلام للمرأة منذ أربعة عشر قرناً في حين أن النساء في أوربا في القرن العشرين لا يتمتعن بهذا الحق الذي تتمتع به المرأة في ظل الإسلام.

9 - وبينت السورة الدرجة التي جعلها الله للرجال على النساء بعد تساويهما في الحقوق والواجبات، وأنها لا تعدو أن تكون درجة الإشراف والرعاية بحكم القدرة الطبيعية التي يمتاز بها الرجل عن المرأة، وبحكم المال الذي ينفقه قياماً بما تحتاج إليه حتى تقوم بما عليها من حقوق الزوجية.

وليست تلك الدرجة بدرجة الاستعباد والتسخير كما يصورها المخادعون المغرضون، وذلك في قوله تعالى (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم).

10 - قد أرشدت السورة بعد هذا إلى أن النساء أمام هذه الرياسة منهن صالحات، ومنهن غير صالحات، وأن من شأن الصالحات القنوت وهو السكون، والطاعة لله فيما أمر به، ومنه القيام بحقوق الزوجية والرياسة المنزلية، والاحتفاظ بالأسرار التي لا ينبغي أن يطلع عليها أحد غير الزوجين، وأن هذا الصنف من الزوجات ليس للرجال عليهن شيء من سلطان التأديب.

أما غير الصالحات، وهن اللاتي يحاولن الخروج عن حقوق الزوجية ويحاولن الترفع، والنشوز عن مركز الرياسة، بل على ما تقتضيه فطرهن، فيعرضن بذلك الحياة الزوجية للتدهور والانحلال - فقد وضعت السورة لردعهن وإصلاحهن وردهن إلى مكانتهن الطبيعية والمنزلية طريقين واضحين: وكلت إحداهما إلى الرجل بحكم الإشراف والرياسة، وهو أن يعالجها بأنواع من العلاج لكل صنف من النساء ما يليق به، ويكفي في ردعه، وهي الوعظ والهجر والضرب، فالتي يكفيها الوعظ بالقول لا يستعمل معها الهجر والضرب، والتي يصلحها الهجر لا يتهاون في جانبها بالوقوف عند حد القول والوعظ ولا يسرف فيصل به الأمر إلى حد الضرب.

وهناك صنف من النساء في بعض البيئات لا تؤثر فيه الموعظة ولا يكترث بالهجران ولا يصلحه إلا نوع من التأديب المادي، وقد جعل الله الضرب آخر الوسائل التأديبية إشارة إلى أنه لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة.

وقد أساء المتحضرون من أبناء المسلمين أنفسهم فهم هذا النوع من التأديب وجعلوه نوعاً من الطغيان الذي لا يتفق وكرامة الزوجة، وهم في الواقع يتملقون عواطف المرأة، ويتظاهرون بالحرص على مصلحتها وكرامتها، ونحن نسائل المرأة العاقلة: أي الأمرين أحفظ لحياة الزوجة؟ أأن تنال بشيء من العقوبة عند نشوزها فيردها إلى صوابها؟ أم تُترك لتسترسل في نشوزها فتهدم بيتها وسعادتها وتُشرّد أطفالها؟

أما الطريق الثاني فهو التحكيم وجاءت آيته بعد آية الطريق الأول للإشارة إلى أنه إنما يكون في حالة عجز الرجل عن لعلاج وعند تطور الحالة من النشوز إلى الشقاق، وفي حالة ما إذا كان النشوز واقعاً من الزوج نفسهن وقد خاطب الله بهذا العلاج الأخير جماعة المسلمين تركيزاً لما يجب أن يكون بينهم من التكافل على حفظ الأسر والبيوت. وعلى الحكام أن يقوموا بمثل هذا الواجب نيابة عن جماعة المسلمين.

وطلبت الآية أن يكون الحكمان في هذا الشأن من أهل الزوجين؛ وذلك نظراً إلى أن الشأن في الأهل أن يكونوا أدرى الناس بأحوال الزوجين وأحرصهم على سعادتهما، وأقدرهم على التأثير في نفوسهما، وأحفظهم لما قد يجدون بينهما من أسرار.

وإنك لتجد كل هذا في قوله تعالى من هذه السورة (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان علياً كبيراً، وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيراً).

وبعدُ: فهذه صفحات النساء في القرآن الكريم أقدمها للقراء إجمالاً وتفصيلاً، وهي صفحات كما نرى ويرى كل ناظر فيها، بيضاء نقية تبسط ظل السعادة والهناءة على الحياة الزوجية، وتكون أسرة قوية فاضلة، وتبني مجتمعاً صالحاً يخوض غمار الحياة بقواه الذاتية وشعوره النفسي الدقيق. 

ولقد كان بودي أن أبسط القول في شرح تلك الصفحات الإلهية ولكن الإنسان في هذه الحياة مسخر لسلطان الظروف، وحسب من يريد الحق هذا الإرشاد، وكتاب الله قائم بين أيدينا ميسر للذكر والنظر فليرجع إليه من شاء والله ولي التوفيق والهداية.


السبت، 6 مارس 2021

الرد على أبي عثمان العنجري لدفاعه عن الأمريكان

 

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:

ظهر محمد العنجري في حوار في غاية الخزي والعار، مخالفًا للكتاب والسنة وعقيدة السلف، مستشهدًا بكلام للعلماء في غير محله، حتى غدا حواره أضحوكة للسلفيين! بله عند الحركيين .

 

تخيل يا مسلم !

رجلٌ يدعي السلفية ويدعي العلم، ويصنف السلفيين إلى (أقحاح، ومميعين، ومتشددين، ومضطربين، وغير واضحين..إلخ) يدافع عن اليهودي الأرثوذوكسي المتطرف (جاريد كوشنر) كبير مستشاري الرئيس الأمريكي، الذي شن على بلدنا الكويت حملة شعواء بسبب موقفها الواضح المُشرّف من دولة اليهود والقضية الفلسطينية !

انظر: https://www.alraimedia.com/article/902986

 

قال كوشنر -باختصار-: (أن بلاده لا تضغط على الكويت للتطبيع مع إسرائيل، بيد أن رفضها للتطبيع مع إسرائيل موقف راديكالي غير بناء ! وموقف الكويت قوي في الانتصار للقضية الفلسطينية، مع أن الفلسطينيين دعموا صدام ضد غزو الكويت ).

[الراديكالية: وصف يشير إلى التشدد والتطرف في الرأي، ورفض وجود أخرين يرون فيهم مشكلةً، لأن فكرتها تقوم على طرد كل ما قد يسبب مشكلة بشكل كامل لا يقبل الأخر].

 

ونقول لكوشنر: خسئتَ عدو الله، فلو نزغ الشيطانُ بيننا...ستجمعنا أُخوّة الدين قبل العِرق يومًا، وهذا ما يغيظك أنت وقومك (قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور).

 

[صحيفة القبس تتصدى لكوشنر .. والعنجري يصفها بالحماقة والتهور!]

 

ردت صحيفة القبس على ادعاءات كوشنر، ووضعت صورته على الصفحة الأولى وعليها قرني شيطان.

فثارت ثائرة محمد العنجري! واستنكر ردت فعلها، وجرى حوار بينه وبين الصحيفة سيأتي ذكره،

والعجيب أنه استدل بآيات وآثار للسلف، زاعمًا أن هذا دين الله، وأنه موقف الحكيم!

وليس العجب من هذا الرجل وفعله ... بل العجب من أتباعه وجلسائه الذين يتبعونه في كل سقطاته.

والذي صرعنا وحزبه بفضح ولاءات الأحزاب الكويتية للخارج، والطعن في وطنيتهم وانتمائهم، وهو نفسه يدافع عن كوشنر الذي يطعن بموقف الكويت الشرعي الإنساني.

ولا أخفيكم أني استبعدتُّ بدايةً أن يصل به الأمر إلى مداهنة الأمريكان وهو في داره وليس في دارهم، ولم أصدق الخبر من عنوانه حين أرسله إليّ أحدُ الأصدقاء -منذ عهد قريب- فلما فتحتُ المقال وبدأت بقراءته، أخذ العجب والاستنكار يذهبان عني شيئا فشيئا.

نعم؛ إنه أسلوب وطريقة العنجري الضعيفة في التقرير والاستدلال، وجاءت صورة كتابه: (ترامب وحش أم بطل) -الذي صنّفه صيانةً للشعب الأمريكي من سياسة ترامب- أمامي .. فأيقنت أنّ المقال له، وسيأتيكم نبأ كتابه فيما بعد.

 

[العنجري لمن لا يعرفه]

 

هو كويتي ملتح، تسربل عباءة المشيخة، وتزبّب قبل أن يتحصرم، وتصدر للدعوة، وقد أحسن به الظن بعض المشايخ لما كان يدافع عن السنة ويحارب المبتدعة ويظهر الحرص على اجتماع الصفوف، فصدروه -غفر الله لهم وعفا عنهم-، وبعد أن حصل على تلك التزكيات، ظن أنه وصل أعلى المقامات، لأنه وجد من يثني عليه ولم يؤصَّل بعد.

ومرت السنون وشاء الله أن يظهر لأولئك المشايخ خطأهم، حين فارق العنجريُّ المشايخَ السلفيين الكبار في الكويت، فنبذوه لغلوه في باب التبديع والتحذير والهجر، فصار يحذر أتباعه منهم، تصريحا في مجالسه أو تلميحًا، وتلميحه أكثر وأغلب، لأنه لا يملك الحجة ويخشى المواجهة ولا يستطيع المقارعة، لقلة بضاعته في العلم -كما ذكرت آنفًا-، فلم يبقَ في الكويت من أهل العلم عنده وعند أتباعه سواه وربما ثلاثة أو أربعة من الذين لا يعرفهم عامة أهل الكويت.

 

[العنجري على خطى الحركيين]

 

كلنا يعرف طريقة الأحزاب المعارضة كجماعة الإخوان المسلمين في التدخل في شؤون حكوماتهم، الداخلية والخارجية، وتشغيبهم ومخالفتهم لولاة أمورهم، وقد وافق العنجريُّ أولئك، فتدخل فيما لا يعنيه، وتكلم بما لا يحسن فهمه، ولا تحمد عواقبه.

حين صادم العنجري موقف حكومة الكويت الرشيدة من قضيةٍ مركزية دأبت بفخرٍ واعتزازٍ بالدفاع عنها وهي القضية الفلسطينية، ورفضِها لأي مساومة عليها بأي شكل من الأشكال.

فإن كان لا يدري فتلك مصيبة، وإن كان  يدري فالمصيبة أعظمُ.

 

[الحوار]

 

أجرت صحيفة القبس الكويتية بتاريخ 26-8-2020م حوارا عنونته بـ (الشيخ العنجري ردًّا على ما نشرته القبس عن جاريد كوشنر وعلاقته بإسرائيل).

وأبرز ما جاء فيها:

(شنَّ الشيخ محمد عثمان العنجري هجوماً على القبس، ووجّه إليها انتقادات شديدة حول ما نشرته في عددها الصادر الثلاثاء 25 أغسطس الجاري، تحت عنوان: «كوشنر في جولة عربية لتسريع التطبيع».

ورد العنجري على اتصال هاتفي من القبس به أمس، قائلاً: (رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، فإذا عرف الإنسان قدر نفسه عرف منزلته بين الدول والبشر، ونَزَّلَ نفسه منزلتها، فلا ينبغي لصحيفة القبس -وفقها الله إلى ما يحبه ويرضى- أن تكون داعية إلى إحياء روح وفكر التيارات الجوفاء، وتزيد العبء على كاهل الدولة).

ثم شبّه العنجري ما نشرته صحيفة القبس بكتابات حزب الله اللبناني بتهورها وحماقتها!

 

ثم قال: (عندما أقرأ في القبس أن دولة أميركا سترسل من يمثلها إلى المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات وبقية دول الخليج العربي، ثم تكتب القبس وترسم في مقالها بالصفحة الأولى وتضع صورة ممثل دولة أميركا المبعوث لدول الخليج، وعلى رأسه قرنين، وتقول عنه: شيطان؛ السؤال هنا: هل هذه المنهجية لغة الحكماء؟! أو لغة من عرف قدر نفسه ككويتي؟!

إن المبعوث كبير مستشاري رئيس الدولة الأميركية، ثم تصوّر القبس ممثل الدولة بإبليس! وتصفه بأنه وزير كل شيء! هنا أقول، متسائلاً لإدارة صحيفة القبس: ما المقصود من رسومكم وكتاباتكم؟! وما أثر ذلك في دولتنا؟!).

 

بغضّ النظر عن الصورة التي نشرتها الصحيفة:

هل تحذير صحيفة القبس من زيارة كوشنر للكويت، في الوقت الذي تزامن فيه تطبيع بعض الدول المجاورة مع العدو الصهيوني بمباركة أمريكية، وإثارتها لهذا الملف الخطير، وما يترتب عليه من عواقب وخيمة على الكويت حكومة وشعبًا ... حماقة وتهور؟!

 

ثم تعال يا العنجري...كيف تجرؤ على قول:

(رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، فإذا عرف الإنسان قدر نفسه عرف منزلته بين الدول والبشر، ونَزَّلَ نفسه منزلتها)، و (هل هذه المنهجية لغة الحكماء؟! أو لغة من عرف قدر نفسه ككويتي؟!).

 

ما هذا التصغير والازدراء بحجم الكويت وكيانها، والتقليل من مكانتها بين الدول ؟!

وكأن الكويت قطعة أرض بلا سيادة ولا قرار يمثله ولي الأمر، تبًّا للانهزامية التي تجدها في نفسك يا العنجري !

وهل الكويتي المسلم دون الحكومة الأمريكية النصرانية المجرمة؟

مَن تعظّم؟ وعمن تدافع؟ عن أمريكا التي أراقت ولاتزال تريق دماء الأبرياء من المسلمين وغير المسلمين للهيمنة على العالم؟!

عن أمريكا التي تجاهلت مذابح المسلمين في الهند وبورما والصين على أيدي الوثيين؟

أتعي ما تقول يا العنجري؟ أهذه (الحكمة) عندك؟

ألم تقرأ قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم ما وتخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (*) ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم..) الآية؟

أتظن أن ما قدمته أمريكا للكويت في الغزو البعثي كان حبًّا في الكويت وشعبها؟

أم تظن أن أمريكا تسعى لتحقيق السلام العالمي في المنطقة؟!

إن كنتَ ترى نفسك مدينًا للحكومة الأمريكية، التي مثّلت أكبر مشهد (هوليوودي) على أرض الكويت في القرن التاسع عشر، حين قامت بدور البطولة في تحرير الكويت من الغزو البعثي؛ وهي من أرسلت سفيرتها في العراق "أبريل غلاسي" وقالت لصدام بأن واشنطن ليست لديها التزامات دفاعية أو أمنية خاصة تجاه دولة الكويت وتبرئ ساحتها...

 فهذا شأنك!!

لكن كما قيل (إذا ابتليتم فاستتروا)، فاستر على نفسك، واطلب من الله أن يهديك، وأن يبصرك، ويرفع عنك ما أنت فيه، فشعور المسلم بأنه (دون) أمريكا لاعتبارها دولة عظمى- طامة تخل بإيمانه.

أما أن تلزم المسلمين (بوجوب) تعظيم الولايات المتحدة وحكومتها، واستحضار معاني التبجيل والاحترام والتعظيم عند مخاطبتها، وتدافع عنها إلى حد الاعتداء والتحقير لابن بلدك، بل الإساءة إلى بلدك، ويُنشر عنك هذا الكلام حتى قال أحدهم:

(هنيئا لك أيها الصهيوني العنصري كوشنر فهناك من يدافع عنك باستماتةٍ من مشايخ الدين عندنا في الكويت، أدام الله المحبة بينك وبينه).

فهذا ما لا نقبله منك.

ولستُ أدافع عن الصحيفة فلها كُتّابها، وإنما أدافع عن كل من تولى مقام التحذير من مخطط التطبيع الصهيوني.

  

[حكمة العنجري]

 

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (الحِكْمَة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي) [مدارج السالكين 2/ 499].

وبخصوص (الحكمة) التي دعوتَ إليها وكررتها في حوارك؛ برأيكَ أيّ الضررين أكبر يا محمد العنجري:

عدم ترحيب الصحيفة الكويتية "بسفير التطبيع"، والذي لا يستعبد منه محاولة الضغط على الحكومة الكويتية للتطبيع مع الصهاينة الغاصبين؟

أم الخوف على مشاعر الحكومة الأمريكية عدوة الإسلام والمسلمين، وخوفك من مغادرتها الأراضي الكويتية وهي غير راضية؟

إن كانت ممن يرى التطبيع مع اليهود على حساب عقيدتنا وديننا وإخواننا، وغرتك مواقف الدول التي أقامت علاقة معهم، وتعتقد أن فقه المرحلة يتطلب سكوتنا عن المساعي الأمريكية لحل السلام -المزعوم- بين الكويت ودولة اليهود، وكأنك السياسي الحكيم الذي يعرف تقدير المصالح والمفاسد على غرار الحركيين، فعليك ان تراجع العلماء لضبط المسألة.

وإلا ما الفرق بينك وبين رموز جماعة الإخوان المسلمين الذين يتدخلون بسياسة البلد، ويفرضون توجهاتهم المبنية على مصالحهم ؟

هذا تجاوز على ولي الأمر، (فاعرف قدر نفسك يا محمد العنجري)، قلتَها للقبس تعديًا، وأنا أقولها لك نصيحةً.

وإن كنت تخاف من إلغاء أمريكا لحماية الكويت فـ (ارقد وآمن) إن أمريكا لا تنوِ ترك الكويت لأي دولة أخرى تتولى حمايتها مادام النفط فيها، إلا أن يشاء الله، (فالله خيرٌ حافظًا وهو أرحم الراحمين).

 

[شبهة العنجري]

 

قال العنجري: (لننظر معاً إلى كلام الله تعالى الحكيم؛ فقد أمر الله - عز وجل - موسى - عليه السلام - أن يذهب إلى فرعون عدو الله وعدو نبيه مُوسَى بقوله تعالى: «فقولا له قولا ليّنا لعله يتذكر أو يخشى»، قال الإمام ابن كثير: «هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهي أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر ألا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين؟»)

وقال: (فإذا كان هذا أمر الله تعالى لمن قال للبشرية كما أخبرنا: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ»...فكيف مع دولة قد حمتنا من شرور الأشرار وما زالت؟! والله تعالى هو خير الحافظين).

ثم ذكر خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهرقل، وجعل التلطف واللين أصلا مضطردا في خطاب الحكومة الأمريكية، وجعل خلاف ذلك حماقة وتهور.

والجواب:

أولا: ينبغي التفريق بين مقام الدعوة ومقام الرد والتنبيه والبيان للمصلحة العامة،

فصحيفة القبس لم تكن في مقام دعوة أمريكا وكوشنر إلى الإسلام حتى تأمرها بالرفق واللين!

ثانيا: أن أمريكا لم تحمِ الكويت حُبًّا فيها، بل حُبًّا في نفطها، وللسيطرة على الكويت وعلى دول المنطقة بتثبيت قواعدها العسكرية، فكُن لبيبًا يا العنجري.

ثالثا: من الحماقة استعمال الرفق واللين في مقام الرد على كوشنر الذي أساء لبلد الكويت يا محمد العنجري.

قال بعض العلماء: (إن كان الكلام ساقطا فيكفي في نقضه عرضه للناس)، فأكتفي بما سبق، ومن أراد الاطلاع على المقال فليرجع إليه.

 

[سر دفاع العنجري عن الحكومة الأمريكية وقصة كتاب "ترامب وحش أم بطل"]

 

ألّف محمد العنجري كتابا بعنوان (ترامب وحش أم بطل)، وتدور فكرة الكتاب كما في الموقع الرسمي للكتاب: www.monsterorhero.com

(تحليل مفصل لترامب وما تعنيه حملته الانتخابية لأمريكا، يتضمن هذا الكتاب أكثر من 100 رسم بياني وصورة إلى جانب أطروحة واضحة وصادقة. ترامب: الوحش أو البطل هو كتاب كاشف لأمريكا، شعاع من الضوء لمساعدة الشعب الأمريكي وهو يدخل وقتًا مظلمًا ومحفوفًا بالمخاطر. لماذا كتب كويتي عن ترامب؟ إن الشعب الكويتي ممتن تماما للأمريكيين على تحرير بلدهم. وكما ساعدته الولايات المتحدة وحلفاؤها المشتركون، بأي طريقة استطاعوا القيام بها، فإننا نأمل أيضاً أن يقبل الأمريكيون هذه النصيحة الهامة من كويتي بشأن خطر ترامب على كل من أميركا والعالم).

يا للعار! ألم تفكر يا محمد العنجري قبل نشر الكتاب بردود أفعال المسلمين؟

وإلى السخرية التي ستنالك من هذا الكتاب؟

إن مجرد تأليف الكتاب، يدل على غرض المؤلف ومنهجه، وهو يؤكد أن الرجل لا صلة له بالعلم الشرعي والفقه في الدين، فهو تاجر له عناية بالاقتصاد والمال، وليس له حرص على أحوال الأمة ومنافعها؛ فمنطلق كتابه (مادي) من الدرجة الأولى.

حينما يصل الأمر لترك (شيخ) هموم المسلمين، وعدم اجتهاده لطمس معالم الجهل والضياع الذي تعيشه، ويُفرغ -وقتا وجهدا- ليُعلِّم الكفار مَن الحاكم الصالح لهم، ويرسم لهم مستقبلًا مشرقا يحميهم من الضياع، وكأنه يريد تقوية شوكتهم على المسلمين بدل أن يترك هذه الدول والمجتمعات لتضرب بعضها بعضا، وتنشغل بنفسها فتسقط، لترتاح الأمة من تسلطهم عليها وتَسلَم من شرهم وكيدهم.

 

[أسئلة تحتاج إجابة من محمد العنجري دون غيره]

 

هل ألفت الكتاب خدمةً للشعب الأمريكي ابتغاء مرضاة الله، ترجو به ثواب الله؟

هل قام أحد السلف بتصنيف كتاب لأهل بلد كافر يغزو ولاتُه بلاد المسلمين ويفتك بهم شرقًا وغربا، ليحميهم من شر حاكمه، ويدعوهم لاختيار حاكم كافر آخر، من باب التعاون على البر والتقوى ورد الجميل؟!

ألا تعلم أن جميع رؤساء أمريكا لا يتولون رئاستها إلا إن كانوا موالين للصهاينة؟

ألا تعلم أن الرئيس الأمريكي قبل توليته للرئاسة لابد أن يدلي قسمه على الإنجيل؟

ألا تعلم أن الكونغرس الأمريكي حذف عبارة (فساعدني يا الله) في القسم للرئيس الأمريكي خلافا للقضاة والضباط؟ لإلحاد هذه الدولة وإيمانها بفصل الدين والكنيسة عن الدولة وهو مطلب دستوري، ثم تحشر نفسك في موضوع لا يعنيك، وتقدم يد المساعدة لأمريكا باختيار من يحكمها؟

ليتك ألفتَ كتابا في علاج الأوضاع الاقتصادية في بلدك الكويت.

أو العراق أو ليبيا أو مصر أو اليمن أو غيرها، خدمةً لإخوانك المسلمين، لعل الله يكتب لك أجرًا.

سبحان الله .. رجل يدعي العلم وينتسب للسلفية يحرص على اقتصاد أمريكا واستقرارها أكثر من بلده الكويت وبلاد المسلمين !

تخيل نفسك يا محمد العنجري في ضيافة سماحة المفتي أو فضيلة الشيخ صالح الفوزان، وفي ثنايا الحديث سألك الشيخ على الهامش: هل لك مؤلفات يا شيخ محمد؟

هل ستقول له: إي والله يا شيخ عندي: حياة أبي بكر الصديق، وترامب وحش أم بطل!

وأخيرا...اتق الله يا محمد العنجري، وتراجع عن هذا الكتاب الفاضح.

 

[رسالة لأتباع محمد العنجري]

 

أقول لمن سلك سبيل العلم منهم، وتتلمذ على المشايخ والعلماء وشد رحله إلى بلاد الحرمين وغيرها، ورأى الفرق الشاسع بين شيخه العنجري وبين العلماء:

اتق الله! فإنك تعلم أن العنجري ليس بطالب علم، فطالب العلم يُعرف بعلمه وطرحه ومناقشاته وبما يقرره، والعنجري لا يُعرف بعلم.

ما هو الفن الذي برز فيه محمد العنجري، في اللغة؟ أم الفقه وأصوله؟ أم القرآن وعلومه؟ أم الحديث وعلومه؟ أم العقيدة أم (المنهج)؟! لا يوجد فن شرعي مستقل اسمه: علم المنهج.

اطلبوا منه أن يشرح لكم كتبا متوسطا أو متقدما في الاعتقاد، وانظروا إلى جوابه.

سلوا أنفسكم: ماذا قدم العنجري للأمة الإسلامية؟ أين أثره في الكويت؟ أين أثره في الساحة الدعوية؟ أين كان في المحن التي مرت بها الأمة في السنوات الماضية؟ أين إنكاره لمعابد الكفر التي بنيت في جزيرة العرب؟ أين هو من الدعوة إلى وحدة الأديان وأخوة الأديان ونهضة الفكر التنويري في بلاد المسلمين؟

لماذا لا يتصدى محمد العنجري لأهل البدع في الكويت من القبورية والمعطلة، أين مقالاته في جهادهم وإبطال شبهاتهم؟

والجواب عندي:

لن يفعل شيئًا من هذا؛ لأنه غير مؤهل لذلك كله، فانصحوه، وإن لم ينتصح فاتركوه، واطلبوا العلم على أهل العلم في الكويت، المشهود لهم بالعلم والاتّباع.

 

[نصيحتي للسلفيين عموما]

 

خذوا العلم عن العلماء، ومن عُرفوا بالعلم، ولا تعتمدوا اعتمادا كليًّا على التزكيات.

وأقولها صراحةً:

(لقد ابتلينا في هذا العصر بتزكية بعض المشايخ لغير المؤهلين).

فأهل العلم كغيرهم من بني آدم، يعتريهم ما يعتري البشر من الخطأ والوهم إحسان الظن فيمن لا يستحق، وقد يستعجل بعضهم في المدح ويبالغ في الإطراء، وطالب العلم المتأصل يدرك ذلك.

وقد آن للسلفيين أن يُسقطوا محمد العنجري من قائمة المشايخ، براءةً للذمة، ونصيحة للأمة، فقد اغتر به الكثير في الغرب، والله المستعان.

 

ويعلم الله أني لم أكتب المقال لأفرح به أحدا، فالأمر خطير، وإني لم أقف -حتى الساعة- على من رد عليه من المشايخ وطلبة العلم، وحتى لا يَظُن العنجري أنه على صواب، أو يُظَن أن العنجري يمثل السلفيين، أو أنه من جملة أهل العلم المعتبرين في الكويت، أو أن السلفيين لم يردوا عليه لموافقتهم إياه.

 

وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين

 

السبت، 9 يناير 2021

المذنب في عين الحقيقة وعين الشريعة .. عند الصوفية

سُئل علامة الصعيد الشيخ أبو الوفاء محمد درويش -رحمه الله- في "باب الفتاوى":


سمعتُ عالِمًا يلقي درسًا في القاهرة على جماعة من الناس، ومما قرره في درسه: (أننا إذا نظرنا إلى المذنب بعين الحقيقة عذرناه، وإذا نظرنا إليه في عين الشريعة مقتناه) فهل لهذا القول نصيب من الصحة؟
فـأجاب:

(ليس للتفريق بين الشريعة والحقيقة نصيب من الصحة ولا ظِل من الحق، بل هو باطل مجانب للحق بعيد عن الصواب، وإنما يقول به أولئك المفتونون من المتصوفة الذين يفرّقون بين الشريعة والحقيقة، ويرون الحقيقة شيئًا مُغايرًا للإسلام، ويحتجون بما كان من الخَضِر -عليه السلام- مِن خرق السفينة وقتل الغلام، إذ هو مغاير لشريعة موسى -عليه السلام- فاعتبروه حقيقةً مخالفة للشريعة، وعدَّوه عِلمًَا باطنًا مُخالفًا للعلم الظاهر الذي علمه الله تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

والحق: ما كان عليه موسى -عليه السلام- شريعةً وحقيقةً، وما كان عليه الخضر شريعة وحقيقة، لأن الخضر لم يفعل ما فعله عن أمره إنما كان يوحى من ربه بدليل قوله تعالى: (وعلّمناه من لدنا علمًا) غير أن شريعة الخضر كانت مغايرة لشريعة موسى في تفصيلها وفروعها، موافقةً لها في أصلها، فجميع ما فعله الخضر كان مشروعًا لا إثم فيه، ولا تثريب على فاعله.

والعِلم الباطن لا وجود له إلا في مُخيّلة هؤلاء المفتونين، ولقد سئل الإمام علي -رضي الله عنه- وهو الذي يزعمون الانتماء إلى إرشاده وتعليمه: هل اختصه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشيء من العلم، فأنكر ذلك غاية الإنكار، وتنصَّلَ منه غاية التنصل.

ولولا وجوب حسن الظن بالمسلمين وحمل كلامهم على وجه يحتمل الإيمان لقلنا إن التفريق بين الشريعة والحقيقة كفر؛ لأن الحكم على الشريعة بأنها مغايرة للحقيقة حكم بأنها باطلة، أو الحقيقة هي الحق والحق حقيقة الأمر، وما خالف الحق فهو باطل.

فالحكم على الشريعة بأنها باطل أو مغايرة للحق كفرٌ بواحٌ عندنا من الله فيه برهان، والحق الذي لا شك فيه أن الشريعة والحقيقة والطريقة شيء واحد، وإن اختلفت مفهوماتها، فالشريعة هي الملة التي شرعها الله ليسير عليها الناس في عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم، وهي الحقيقة، وما سواها مما شرّعه الناس ولم يأذن به الله باطل، والطريقة هي الصراط المستقيم الذي علَّمَ اللهُ عبادَه أن يسألوه الهداية إليه وهو الدين الحق الذي شرعه في كتابه وفي الصحيح من سنة رسوله (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله).

وأيَّةُ حقيقة تلك التي تعذر الكافر والمشرك والمنافق والفاسق والمجرم وكلهم خارج على أمر الله مبارز له بالمعصية.

ولكن المتصوفة لهم شريعة خاصة تُطَوِّع للناس على المعاصي على اختلاف أشكالها، وتوهمهم بسقوط التكاليف عنهم، وتحكم بالإيمان على من حكم الله عليه بالكفر.

وهذا ابن عربي من شيوخهم يحكم بإيمان فرعون، وإيمان قوم نوح ومن على شاكلتهم.

قال في باب السابع والستين بعد المائة من كتاب "الفتوحات المكية" في تفسير قوله تعالى: (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) ما يقيه:
فتكون النجاة لمن يأتي بعدك آية، أي علامة إذا قال ما قلته تكون له النجاة كما كانت لك ... إلى أن قال: فصار الموت له شهادة خالصة بريئة لم تتخللها معصيته؛ فقُبِضَ على أفضل عمل وهو التلفظ بالإيمان -كل هذا حتى لا يقنط أحد من رحمة الله). اهـ

وقد صرح في كتابه "فصوص الحِكَم" بإيمان قوم نوح، وكثيرٍ من أضرابهم وبنجاتهم يوم القيامة.

فابن عربي الصوفي يرى فرعون شهيدًا ناجيًا، ويرى قوم نوح وكثيرًا من أضرابهم مؤمنين ناجين، مُكذِّبًا لقول الله تعالى في القرآن الكريم: (كذبت قبلهم قوم نوح المرسلين وأصحاب الرس وثمود (*) وعاد وفرعون وإخوان لوط (*) وأصحاب الأيكة وقوم تُبَّع كلٌّ كذب الرسل فحق وعيد).

من كل ما تقدم يتضح للسائل الكريم أنه لا عذر للعاصي لأنه مخالف لأمر الله ونهيه، ومَن عَذَرَهُ كان مُحادًّا لله ورسوله ومشاقًّا لشريعته.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل


----------------------------------------------------
[مجلة الهدي النبوي / جـ18 / العدد 3 / صـ 32-34]